فخر الدين الرازي
470
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] كلام يوسف كان هذا أيضا من كلام يوسف ، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضا كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين ، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه السلام لما قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي بالزنا إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي عصم ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ للهم الذي هممت به رَحِيمٌ أي لو فعلته لتاب علي . واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان : الوجه الأول : أنه عليه السلام لما قال : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ كان ذلك جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [ النجم : 32 ] فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي والمعنى : وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية . والوجه الثاني : في الجواب أن الآية لا تدل البتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال : أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة ، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى اللذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة ، بل لقيام الخوف من اللَّه تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرئ نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي الثاني : أنها لما قالت : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] قالت وما أبرئ نفسي عن الخيانة مطلقا فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ / سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ يوسف : 25 ] وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان . فإن قيل جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة ؟ قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأن قوله : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [ يوسف : 51 ] كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد ، وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا ، لأن قوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس ، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية . المسألة الثانية : قالوا : ( ما ) في قوله : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي بمعنى « من » والتقدير : إلا من رحم ربي ، وما ومن كل وأحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] وقوله : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي استثناء متصل أو منقطع ، فيه وجهان : الأول : أنه متصل ، وفي تقريره وجهان : الأول : أن يكون قوله : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . الثاني : إلا ما رحم ربي أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة .